حسن بن موسى القادري

201

شرح حكم الشيخ الأكبر

فلا تصل إليها القوة العاقلة ، فامتنع أن يتعلق بها شيء من القوّى الجسمانية المدركة بالحفظ والإحساس والتخيل والمحاكاة ، مع أنه لا تتعلق هذه الأمور إلا بما هو مقيّد ، والحقيقة مطلقة كما عرفت ، فالدخول فيها لا يكون اختياريا ، بل اضطراري ولا منوطا بسعي السالك ، بل بنفي سلطان الوهم والعقل ، وظهور سلطان الحب والعشق ، بل كل من عرف الحق بطريق العلم لا يخرج عن حجب الصفات إلى معاينة الذات ، ولم يرتق عن الحضرة الواحدية إلى عرصة الأحدية ، فالحقيقة لا تدرك إلا بالذوق والوجدان بأن عزل عقله بنور الحق ، وجن بالجنون الإلهي كما قيل : العشق جنون إلهي ، فصحّ معلومه عن غمام كثرة الصفات ، وصفا عن كدورة الاعتبارات بحيث ارتفعت التكثرات العقلية بالمحبة الذاتية ، ويبلغ السالك إلى ما بلغه الواصلون من نفي الصفات عن الذات الذي هو كمال الإخلاص على ما قاله علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه من أنّ كمال الإخلاص في نفي الصفات عنه . . إلى آخره . فحقا يصير علمه عينا وعينه حقا ، ويصير موحدا توحيدا شهوديا ، وعيانا لا علما وبيانا ، لكن ينبغي أن يعلم أن العقل الذي لا يدرك به الحقيقة وتكون هي ورائه ليس المراد به العقل المطلق ؛ لأن العقل المطلق المنور بنور الإطلاق الذاتي بالقوة الأصلية الإحاطية يدرك المعنى الكلي والحقيقة الكلية ، وما يدركهما يطلق عليه العقل لصدق حدّ العقل عليه ، فالعقل لا يدرك به الحقيقة إذا لم يكن معه نور الإيمان ، ويدرك به الحقيقة إذا كان معه نور الإيمان ، وهذا مثل قولهم : أن اللّه لا يدرك بالعقل ، وهو لا يدرك إلا بالعقل ، فكل منهما باعتبار ، فلا منافاة بينهما ، والمنافاة إنما هي من وحدة الاعتبار ، وستعرف إن شاء اللّه تعالى توضيح الحقيقة ، فلا تعجل إن اللّه مع الصابرين ، فلا يدخل في الحقيقة الداخل في حكم الوهم والعقل ، بل لا يدخل فيها إلا بغلبة سلطان العشق على سلطان العقل بحيث لا يبقى للعقل حكم أصلا ، وانطمس نوره بنور العشق كانطماس نور القمر بنور الشمس ، فأنهتك ستر العقل بقوة العشق والحب ، فيكون حاله كحال المجانين فيصير ذا حقيقة ، ويكون في مقام السّكر والسكر « 1 » يتفاوت ، فمنهم من يشرب شراب الحب

--> ( 1 ) يقول الهجويري : ثم أن أولئك رجال الصوفية الذين يفضّلون الصحو على السكر ، وهم الجنيد وأتباعه ، يقولون : إن السكر محلّ للآفة ؛ لأنه تشويش الأحوال ، وذهاب الصحة ، وضياع زمام النفس . وانظر : كشف المحجوب ( ص 415 ) .